حبيب الله الهاشمي الخوئي

264

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

كذلك موادّ تلك اللَّذّات هي المكاسب والتجارات والصّناعات ، وقد كانت العرب خالية من ذلك ووجوه باقي الاستعارات ظاهرة . ( قد درست منار الهدى ) كناية عن فقدان حجج الدّين وانتفاء أدلَّة الحقّ ( وظهرت أعلام الرّدى ) كناية عن غلبة أدلَّة الباطل وظهور أئمّة الضّلال ( فهي متهجّمة لأهلها ) أي داخلة عليهم عنفا لكونها غير موافقة لرضاهم أو منهدمة عليهم غير باقية في حقّهم أو ملاقية لهم بوجه كريه وهو على رواية متجهّمة بتقديم الجيم على الهاء ( عابسة في وجه طالبها ) أراد به عدم حصول بغية الطالبين منها كما لا تحصل من الرّجل المنقبض الوجه الذي يلوى بشرته قال سبحانه : * ( عَبَسَ وتَوَلَّى أَنْ جاءَه الأَعْمى ) * . ( ثمرتها الفتنة ) أي الضّلال عن طريق الحقّ والتيه في ظلمة الباطل وفيه استعارة مكنية وتخييليّة حيث شبّه الدنيا بشجرة مثمرة وأثبت الثّمرة لها وجعل ثمرتها الفتنة إمّا من باب التهكم أو من حيث إنّ الثمرة كما أنّها الغاية المقصودة من الشجرة فكذلك غاية الدّنيا عند أهلها هي الفتنة والضّلال ( وطعامها الجيفة ) يحتمل أن يكون المراد بالجيفة الميتة والحيوان الغير المزكى ممّا كان العرب يأكلها في أيّام الفترة حتى حرّمتها الآية الشريفة أعنى قوله : * ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِه والْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ ) * . أي المضروبة بالخشب حتى تموت ويبقى الدّم فيها فيكون أطيب كما زعمه المجوس « والْمُتَرَدِّيَةُ » أي التي تردّت من علوّ فماتت وقد مرّ في شرح الخطبة السّادسة والعشرين أنّ أكثر طعام العرب كان الخشب والخبائث ، ويجوز أن يراد بالجيفة الاعمّ من ذلك أعني مطلق ما لا يحلّ في الشريعة المطهّرة سواء كان من قبيل الخبائث والميتات أو من قبيل الأموال المغصوبة المأخوذة بالنّهب